الشيخ محمد رشيد رضا

54

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمرجئة من الحنفية والزيدية ، وأكثر الأشاعرة من الشافعية والمالكية ، ولكن المخلصين منهم كانوا يرجعون إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم كما صرحنا به مرارا ، وأكبر أنصار مذهب السلف في الون الوسطى وأقواهم حجة شيخا الاسلام احمد تقي الدين بن تيمية وشمس الدين محمد بن قيم الجوزية ومن أوسع كتب الأخير في هذا الموضوع الذي نخوض في أعضل مسائله كتاب ( مفتاح دار السعادة ) وكتاب ( شفاء العليل . في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ) ( 5 ) كلمة الاعتدال الوسطى في الخلاف بين القدرية والجبرية . قال المحقق ابن القيم في شفاء العليل « اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل ، وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه . فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل ، وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ، ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز ، فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة : مرض وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض . والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير منفعل في فعله . وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء . وأهل العلم والاعتدال أعطوا كل المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الامرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم واست عندهم الشرع والقدر في نصاب ، وشهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به » وأفاض في تفصيل ذلك والشواهد عليه من آيات الآن الحكيم وما ذكر من نوط خطأ الغلاة بنظر بعضهم إلى أحد وجهي الشيء أو جزئه ونظر الآخرين إلى الآخر يرجع إلى ما قلناه من الاخذ ببعض النصوص والغلو فيه وترك البعض الآخر في الحقيقة الواحدة . غلت القدرية في مسألة الحكمة في الخلق والتكوين ، والامر والتشريع ، وغلت الجبرية في مسألة المشيئة والإرادة . فهؤلاء جوزوا أن تخلو المشيئة عن الحكمة ، وأولئك قيدوا مشيئة الرب بما تصل اليه أفهامهم من الحكمة ، وان كان كل منهما يؤمن بالصفتين كلتيهما ، ونزاعهم الطويل العريض في مسألة الحسن والقبح والتحسين والتقبيح مبني على ذلك فالغلاة في اثباتها قالوا إن في كل فعل يقع التكليف به فعلا أو تركا حسنا أو قبحا ذاتيا يعرف